One Sudan one flag for all of us

One Sudan  one flag for all of us

Friday, January 27, 2017

نقد مفاهيمي للاطروحة الأحادية في الهوية السودانية(1)

نقد مفاهيمي للاطروحة الأحادية في الهوية السودانية(1)
                              عثمان جلال
     إن النمو الطبيعي لأي حركة فكرية أو ثقافية أو أيديولوجيا في تعاقبها الدوري مثل الكيمياء في تفاعل عناصرها المتنوعة،أما إذا اختارت هذه الاتجاهات الصعود والنمو عبر انحرافات التغلب والجبر فإنها ستنمو مشوهة وإن تكثفت حراكا تسم المجتمع بميسمها ومازته بخصائصها ولكن حتما ستتعطل عملية التفاعلات والتي أساسها التنوع والتباين ويغدو المجتمع مقهورا بالنزعة الأحادية ونهاياتها الموت والتلاشي.
إن الثنائية والتعدد والتنوع في مساقات الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية نواميس إيجابية للثراء والحيوية والتنافس والتطور،فالذاكرة التاريخية حفظت القطبية الثنائية مرة بعد مرة ،فكانت فارس وروما واليونان والرومان، وانجلترا وفرنسا ، وأمريكا والسوفيت ،وحاليا أمريكا والصين ،والاقتصاد الغربي لم ينمو في تفاعلية مضطردة إلا في ظل الحرية والتنوع والمنافسة حيث برزت المدرسة الاشتراكية والرأسمالية ، والمدرسة الرأسمالية لم تبلغ الذروة إلا عبر الحرية والتفاعلات الداخلية حيث نهضت مدرسة التغيير والتطوير الذاتي للاقتصاد وفق منطق السوق الحر  عبر ما سماه آدم سميث اليد الخفية دون تدخل من الدولة،وبرزت أيضا مدرسة تدخل الدولة عند اللحظات التاريخية الحرجة لاستعادة التوازن بقيادة جون مينارد كنز ( المدرسة الكنزية) وبلغت الراسمالية قمتها عند المدرسة الفريدمانية أو ما عرف بأولاد شيكاغو.
     والشاهد أنه كلما تداعت أقطاب القوة في تشكلها وتفاعلها إلى التنوع والتعدد والمغايرة كان الاجتماع السياسي والثقافي والإنساني أكثر ثراء وحيوية وتفاعلا، وكلما اختل ميزان القوة نزوعا إلى الأحادية اشتدت حالة السيولة والتشظي والتفكك في حركة المجتمع والدولة، ولذلك فإن الذهنية الأحادية تقف على تضاد مع النواميس الكونية وتنمو في انسجتها الداخلية بذور فناءها باعتبارها نسق مختل،وعوامل الفناء لهذه الذهنية تنمو باضطراد متصل مع ازدياد هيمنتها وسيطرتها على أدوات الحكم والدولة ونهايتها عبر المجتمع، او بالتآكل الذاتي استجابة لسنن التغيير الكونية مهما جثمت وتطاولت وطأتها في الحكم ،وقد تقصر وتطول وفقا للسياق الظرفي والموضوعي الذي تتحرك فيه ولكن حتما فإن لها دروة خلدونية (صعود ونهوض وذبول وموت)
     يتجلى مأزق الازمة الوطنية ربما في ثلاث قضايا رئيسية وهي الوحدة الوطنية والهوية والتوافق والاجماع على نظام حكم ينهي الازمة الوطنية المتطاولة،سنتناول هنا جدلية الهوية الثقافية بين مدرسة الاتجاه الأحادي الكلاني ومدرسة الوحدة في التنوع لانني لاحظت ان كل حوارات الاسلاميين عن الهوية والتغيير والوحدة والبناء الوطني ما انفكت تتحرك بذات العقلية الاحادية الكلاسيكية نحو الآخر المغاير ( عقلية المماثلة الاستيعابية) اي التعويل كل التعويل على التغيير الوطني وفق مفاهيم  ورؤية الاقلية الحاكمة من الاسلاميين دون استيعاب لعناصر التنوع الثقافي والسياسي الوطني السوداني في الحل، مما يوقعنا في ذات فخ انتاج الازمة الوطنية المستحكمة باعتبار ان المجموعة التي ننتظر منها الحل السحري هي جزء اصيل من الداء الذي اصاب الوطن وهنا على وهن
     تتصف المدرسة الأحادية وهي الاتجاهات الاسلامية والعروبية والافريقانية بنسق رؤية مثالية للانسان السوداني وهي هيمنة وسيادة المطلق وهي رؤية ذات نزعة هيغلية مثالية حيث ان وحدة الكل وهويته هي تعبير عن شمولية الكل بالتالي فان جوهر الكل هو المسيطر ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، وبسيطرته وهيمنته يطمس خصوصية وتفرد الاجزاء ويقضي على خصوصية وهوية الاجزاء المشكلة له في التكوين ،هذه المدرسة تفترض ان الكل يسود على الجزء!والمطلق يهيمن على النسبي!والكل هو تعبير عن ارادة المطلق وقد تتجلى في الثقافة العربية والاسلامية او الافريقية
     ان التعبير عن مفهوم سيادة ثقافة الكل المطلق كمرجعية للهوية يعني نفي وإلغاء الاخر واستحالة المغايرة والتنوع والتضاد (اي يغدو التنوع مجرد دغمسة)وبالتالي اختزال واعتساف مفهوم الوحدة والهوية في الاندغام والمماثلة بالتماهي!
وحسب هذه الرؤية فان اشكالية الهوية السودانية تحل بإلغاء اشكالية التباين والتنوع بزرائعية ان السودان بلدا عربيا محضا،وتنزع هذه المدرسة إلى تقسيم المجتمع إلى بدائي ومتحضر ، وترى أن المجتمع المتحضر هو الرافد الاحادي المغذي للقيم الروحية والثقافية وتعتقد أن تعميم هذه القيم هي الطريق لنقل المجتمع البدائي للرقي والتطور الحضاري وإن عملية زرع وغرس هذه القيم تقتضي بناء الأطر والمؤسسات الشاملة ، وترى أن أي نزوع لا يصب في مجرى هذه الغائية عرقلة لحراك التغيير والحداثة وتهديد للمجتمع وتعطيل للحتمية التاريخية ،وهذا يولد جدلية وصاية المتحضر على البدائي وحتمية مماثلة المجتمع البدائي مع ألانساق القيمية للمجتمع المتحضر،وهذا الاتجاه يرى أن السودان ككيان تجسد بعد دخول الإسلام والثقافة العربية،وبالتالي فهي تقرأ التاريخ والمستقبل للسودان من منظور هيمنة وسيادة الثقافة العربية  وهنا يتولد الصدام مع الاخر المغاير والمباين هوياتيا وثقافيا وهذا الصدام يقود إلى تفكك عرى الدولة والنسيج الاجتماعي
      ان هذه الرؤية الاختزالية الاحادية تلغي الوجود السوداني الموضوعي والعيني بكل موروثه الثقافي والتاريخي وترتقي بالهوية السودانية الى مفهوم طوباوي مجرد
     وهذا النزوع ينحو الى إقصاء الاخر  الثقافي وإلغاءه ونفيه باعتباره عقبة امام السيرورة التاريخية!فالآخر الثقافي لا وجود له كجزء مكون للكل!بل كجزء من كل تسيطر عليه الثقافة العربية
      ان هذه اتجاهات الدوغما هذه ترى ان المجتمع السوداني بتنوعه وتباينه موجة بشرية سالبة ومجرد (دغمسة)
     ان سيادة خصائص ثقافة جزئية على كل المجتمع السوداني واسقاطها لتشكل هويته ووحدته فيه نزوع وتكريس للمركزية الاثنية!والمنهجية الانتقائية والغائية التاريخية وانعدام للحس التاريخي ويغدو الهم الوحيد إلغاء خصوصية الغير والآخر والعزف على وتر المطلق كمرجعية احادية وتابو مقدس ومحصن ضد تقلبات حركة التاريخ وانكفاء في كهف الذاتية اليوتوبي واستدعاء للماضي!وفزاعة ان هوية وثقافة الكل والتي تتوهم انها الاصل في خطر لاستدرار عطف ودغدغة مشاعر المجتمع
     ان هذه الاتجاهات في التعاطي مع مفهوم الهوية تعزز من الفرضية التي يراها بعض المفكرين والمثقفين والتي ترى ان الاسلام بحكم بنيته اقل ميلا للتوافق مع الآخر ! فهو اي الاسلام ينظر للآخر المغاير والمباين له مجرد مشاريع يمكن استيعابها في داخله، وإن كنت أرى أن الإسلام كفكرة ومرجعية وثقافة لايجنح لاقصاء الاخر بل ان ثقافة الاقصاء والعزل سلوك بشري ينتهجه بعض الذين يحكمون باسم الإسلام وهذا السلوك لا يقدح في ان بنية الإسلام الفكرية لها خواص المرونة والحيوية للتعاطي مع خصوصية الآخر الثقافية