One Sudan one flag for all of us

One Sudan  one flag for all of us

Wednesday, October 28, 2015

تاريخنا وقصة جبل البركل العظيم

افتئ هذا الجبل المَهيب يُنبينا -كل يوم- بالجديد المثير!...
لنقرأ هذا المنقول قبل أن ندلف الى المراد:
جبل البركل هي التسمية العربية الحديثة لجبل مسطح صغير أشبة بالطاولة في الطرف الغربي لمدينة كريمة، السودان. منذ أزمان المملكة المصرية الحديثة (حوالي 1500 ق.م.)، علَّمت هذه الهضبة الصغيرة شديدة الانحدار الحد الجنوبي الأقصى للإمبراطورية المصرية في أفريقيا وكانت موقعاً لمدينة حدودية هامة سميت نبتة ( الخريطة). ومع أن هناك مخفر عسكري أمامي فرعوني آخر يقع أبعد بأعلى النيل في كرجس، بالقرب من الجندل الخامس، إلا أن نبتة كانت الإقامة المصرية الأقصى جنوباً والموقع الأبعد لقدسيتها الدينية.
لم تكن نبتة في الغالب، بموقعها على الضفة اليمنى للنيل بحوالي 40 كيلومتر أسفل الجندل الرابع، ذات أهمية ميناءً نهرياً، ذلك أن التيار هنا كان سريعاً للغاية بحيث يجعل الإبحار غير عملي. يبدو أن أهميتها تجسدت في موقعها عند نقطة العبور النهرية للطريق البرى الذى يربط منطقة الجندل السادس بالجندل الثالث. كانت ولا شك معبراً نهرياً ومحطة جمركية هامة، تجمعت فيها وخزنت البضائع الأفريقية المختلفة قبل الارتحال شمالاً إلى مصر.
مع الوقت، أخذت أهمية نبتة الإستراتيجية في التراجع أمام أهميتها الطقوسية، المشتقة من جبل البركل (الشكل 1 ) . سمى المصريون الصخرة دجو - وااب (الجبل الطاهر) وحددوه بوصفه مكان الإقامة للهيئة البدئية لإله دولتهم آمون الكرنكى، الذى سكن في طيبة، على بعد حوالي 1150 كيلو متر إلى الشمال من البركل. اللافت للنظر، أن المصريين تصوروا جبل البركل امتداداً بعيداً للكرنك واعتقدوا أن كلا الموقعين، البركل والكرنك، كانا بمثابة تجليين أحدهما للآخر. آمون الكرنكى، على سبيل المثال، سمي دوماً بـ "سيد تاجي الأرضين". لكن عندما اكتشف المصريون جبل البركل، قرروا، "قبل أن يصبح معروفاً لدى الناس"، أن اسم الجبل كان " تاجا الأرضين". بكلمات أخرى، نُظر للجبل بوصفه مصدراً لـ اللقب الأقدم للإله، ومصدراً لاسم الكرنك. هذا الاختراع التاريخى سمح للمصريين تعريف جبل البركل بالكرنك، وبالعكس، وان يتصوروا هذا التل البعيد في النوبة بوصفه المنزل الأصلي للإله، معلنين في الوقت نفسه أن الإله قد ظهر بداية في طيبة! حتى معابد الإله في الكرنك وفي نبتة حملت الاسم نفسه: ابيت- سوت ("مقدس التاجين")، مما سمح للخلط، لأغراض دينية، بين تلك المعابد. هذه الدوغما الجديدة ثبتت آمون بوصفه السيد المقدس لكل من النوبة العليا وكل الإمبراطورية المصرية النوبية، مع نبتة وطيبة بوصفهما قطبي عبادته. حتى اسم نبتة نفسه، واللقب المحلى لإلهها - "آمون النبتي" (امن نبت) - قد يكون استنبط ليشكل تلاعباً لفظياً مع الأسماء الأخرى الشائعة للإله الطيبى، مثل "آمون، سيد السماء" (امن نب- بت) و "آمون المقدس" (امن ابت). قد يكون ذلك ما عزز لاحقاً فكرة أن نبتة وطيبة، والآلهة العظام في كل منهما، كانوا في الواقع متطابقين.
اعتقد المصريون بأن آمون النبتي سكن في داخل الجبل، خلف المنحدر الصخري الشاهق، مخفياً عن الرؤية القاتلة. شيدوا كذلك معابده وأيضاً معابد الآلهة الآخرين المرتبطين به مباشرة أمام المنحدر الصخري الشاهق، مع محاورها متجهة إلى الجبل (الشكلان 2 و 3 ) . في الأزمان اللاحقة سيكون هناك معبدان كبيران شيدا أمام جبل البركل، الأول مكرس للهيئة الجنوبية لآمون ( B 500 ) والآخر لهيئته الشمالية ( B 800 ). الوضع نفسه يصح بالنسبة لطيبة، مع معبد الكرنك مكرساً للهيئة الشمالية، ومعبد الأقصر للهيئة الجنوبية.
سمة لافتة للانتباه في طبيعة آمون كانت هي قدرته على امتصاص هُويَّات وكينونات الآلهة الآخرين في كينونته، التى كانت "مختفية"؛ لاسم آمون عنى، في الواقع، "المختفي". وكما بدأ الصعود السياسي لطيبة، حتى في الأسرة الحادية عشر، تزايدت أهمية إلهها كذلك. عندما وحد الملوك، أبناؤه، مصر في المملكة المصرية الوسطى المبكرة، أصبح الإله آمون "ملك الآلهة". لم يعلو آمون على الآلهة العظام، لكنه أصبح هو ببساطة "هم"، مما نتج عنه ان كل واحد من الآلهة العظام نُظر إليه بوصفه واحداً من تجليات آمون. مع الوقت، بالتالي، نال آمون هوية وكينونة رع- آمون، الخالق البدئي واله الشمس الهليوبولسى. جعله هذا أباً للآلهة. عنى هذا، أيضاً، انه كان الشمس المؤلهة في كافة أشكاله الأخرى؛ رع، وخورآختى، وخبرى. امتزج آمون أيضاً بالمعبودين التناسليين مين وأوزريس، الهى الخصوبة والفيضان، واستولى على وظائفهما. كان آمون في ذات المظهر التناسلي (الفالوسى)، معروف باسم كاموتف، "ثور والدته"، مما يلمح إلى قدرته في إعادة خلق ذاته ابناً لنفسه الملك (الذى كان هو "الثور" (كا) والذات الإلهية "الثنائية" (كا). عندما يموت الملك، يمتزج مع الإله ليصبح بالتالي أباً لذاته (كا = "فالوس" = جداً أعلى)، تحبل به الإلهة موت ("الأم")، التى كانت زوجة للإله إلى جانب كونها "والدة" الملك المقدسة.
عادة يصور آمون بوصفه رجلاً، يلبس تنورة وتاجاً طويلاً بريشتين. وبالقدر نفسه يظهر متوجاً، في هيئة رجل محنط، بعضو تناسلي منتصب، الذى هو شكله بوصفه كاموتف. عندما اكتشف المصريون جبل البركل وربطوا الجبل بآمون، أخذوا في تصوير الأخير بطريقة ثالثة: كرجل برأس كبش (الشكل 4 ) . هناك الآن بينة آثارية متزايدة تشير إلى انه وقبل مجئ المصريين إلى هذه المنطقة، كان النوبيون يبجلون إلهاً بهُويًّة كبش. آخذين في الحسبان قدرة آمون على امتصاص كل الآلهة المصريين المهمين في كينونته الذاتية، فإن هيئة آمون برأس كبش تشير إلى أن المعبود الطيبى امتص في ذاته نظيره النوبي، الذى كان متطابقاً مع آمون في أزمان أسبق. باستثناء عصر إخناتون، عندما فرض الحظر على عبادة آمون، أصبح آمون الإله الشامل الذى تعبد فيه كافة الآلهة، أصبح جبل البركل أحد أهم مراكز عبادته. في الأزمان الإغريقية الرومانية، عد آمون ببساطة شكلاً من أشكال زيوس- جوبيتر، ونسبت الأساطير حينها انه والآلهة الآخرون قاموا بزيارات متكررة للنوبة، حيث يقال بأن الخلق قد تمَّ هناك وحيث أن الرجال كانوا هم الأوائل الذين تعلموا تبجيل الإله.
احتمالاً في وقت سابق لتعرف المصريين على جبل البركل، كان النوبيون، أيضاً، قد عدوا المكان مقدساً. رغم انه لم يتم الكشف بعد عن آثار إقامة أو بقايا طقوسية في المرحلة السابقة لوصول المصريين، فإن الفخار النوبي الذى يعود تاريخه إلى العصر الحجري الحديث، وعصر ما قبل كرمة، وعصر كرمة قد تمَّ الكشف عنه في طبقات غير مثبتة ستراتيجرافيا. يشير هذا إلى أن الموقع لا بدَّ وانه كان مأهولاً على الأقل منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد. الكشف في قمة جبل البركل عن الآلاف من الرقائق الحجرية المهشمة، والمصنوعة من نوع حجارة لا يمكن الحصول عليها إلا من سطح الصحراء، يشير إلى أن الناسيس جلبوا الحجارة إلى القمة لتصنيعها، وهو نشاط قد يحتوى على حافز ديني. بالمثل، التشابه بين المعبد في البركل، كما يظهر في المرحلتين المصرية والكوشية، وفي مرحلة كرمة، كما ظهرت في نهاية طور كرمة الكلاسيكي، قد يشير إلى وجود علاقة طقوسية فيما قبل وصول المصريين بين جبل البركل و"الدفوفة الغربية" في كرمة. توجد على الأقل إمكانية أن الأخيرة، مستطيل مسطح شبه جبلي يبلغ ارتفاعه 19 متر ومشيد بالطوب، قد شيدت في كرمة بديلاً سحرياً أو "نظيراً ثانياً" لجبل البركل. على كلٍ، فقد تم تشييد مركب للمعابد أمام بعضها البعض، ونُظر لكل واحد منها مكاناً لإله قوى.
ليس من شك في أن المصريين، واحتمالا النوبيين المبكرين، ألصقوا أهمية مقدسة بجبل البركل نسبة لشكله الشاذ. لم يكن التل منعزلاً فحسب في وسط صحراء مسطحة وتميز بمنحدر صخري شاهق، يبلغ ارتفاعه 90 متراً و 200 متراً في الطول، ولكن ركنه الجنوبي الغربي عُلمَّ ببرج هائل يقف منفصلاً، يبلغ حوالي 75 متراً في الارتفاع ( شكل 5 ) . هذا الحجر الضخم الواقف على شكل عمود أو مسلة (منليث) يحمل مظهر تمثال، لكن بلا شكل محدد، وقد يجوز تخيل أنه بالفعل كذلك. من جانب، يمكن النظر إليه بوصفه تمثالاً لملك أو إله واقف، يلبس التاج الأبيض. ويمكن النظر إليه عضواً تناسلياً (فالوس) منتصباً. ويمكن أيضاً النظر إليه كوبرا منتصبة عمودياً (صلاً) يضع التاج الأبيض على رأسه. تكشف الوثائق القديمة، المكتوب منها والمصور، أن الصخرة قد تمََ تخيلها بكل تلك الصور التى أوردناها ومن ثم قدست مصدراً لقوة إلهية لكل ما تمثله من أشياء مختلفة. كشكل إنساني يلبس تاجاً، فإنها قد تمثل الملك الحي أو السلف الملكي الأبعد، أو الإله نفسه. كعضو تناسلي، يمثل آمون بوصفه أباً مُنجباً. كصلٍ، يمثل القدرة الخلاقة لأية ولكل إلهة ولكل أنثى. كانت الصخرة بالتالي أباً، وأماً، وطفلاً ملكياً ممتزجة في كل واحد - الذى يعنى ظاهرياً المعنى الفعلي لـ "كاموتف". أكدَّ جبل البركل، عن طريق برجه الصخرة الواقف على شكل عمود أو مسلة، ليس فحسب وجود آمون، بل انه يمتلك بالفعل شكل التل البدئي للتقليد المصري، الذى ينظر فيه للخالق وقد ظهر في بداية الزمن وولد الآلهة الأول عن طريق العادة السرية.
حتى يومنا هذا، فإن الحجارة الطبيعية، ذات الشكل الأشبه بالعضو التناسلي، تتم مطابقتها لدى شعوب السودان الوثنية التقليدية بالثعابين وبالأسلاف وتعبد كمصادر للطاقة الاستيلادية. كان جبل البركل بالتحديد مكاناً مثل هذا، ولا بدَّ وان يكون الحجم الهائل لصخرته الواقفة على شكل عمود أو مسلة قد قبع في أساس تحوله إلى مركز رئيس ومؤثر في الطقوس الوثنية، احتمالا منذ الأزمان ما قبل التاريخية. ولا بدَّ وان المصريين كانوا قد تقبلوا أولوية الموقع وأقدميته، ذلك أنهم جعلوا آمون هذا المكان "الإله العظيم لكل العصور، الواحد البدئي".
لاحظ الرحالة الأوربيون جبل البركل للمرة الأولى في عام 1820 وتعرفوا بطريقة صحيحة على الأطلال المحيطة به بوصفها أطلال نبتة القديمة، والتي كانت عالقة في الذاكرة حينها عن طريق النصوص الكلاسيكية بوصفها كانت موضوعاً للحملة الرومانية في عام 24 ق.م. في العقود اللاحقة، زار رحالة آخرون الموقع وقدموا وصفاً له وجلبوا تماثيل وآثاراً منقوشة بالكتابات من هنا للمتاحف في القاهرة، ولندن، وبرلين. مسلة النصر العظيم للملك بيَّا، والتي وجدت هنا في عام 1862، أثارت زوبعة عندما ترجمت للمرة الأولى، وحفزت فيردى لوضع اوبرا " عايدة" في عام 1874. إلى جانب تأكيد هذه المسلة على حقيقة احتلال الملوك "الإثيوبيين" (الكوشيين) لمصر في القرن الثامن ق.م.، فقد كشفت أربع مسلات أخرى وجدت معها عن انه وفي منتصف الألفية الأولى السابقة للميلاد، ظلت نبته وجبل البركل مركزاً رئيساً للعبادة وللتتويج في مملكة كوش المستقلة.
هكذا ظل الحال إلى الأعوام 1916 حتى 1920، حينها بدأت أولى أعمال التنقيب العلمية في جبل البركل. دعمت تلك الأعمال بالتمويل المادي من جامعة هارفارد ومتحف بوسطن للفنون الجميلة، وأشرف عليها جورج ريزنر (الشكل 6). بعد التنقيب في خمسة وعشرين مدفناً هرمياً صغيراً إلى الغرب من الجبل، عمل ريزنر في مركب المعابد، وكشف عن سبعة معابد وقصرين، كاشفاً عن المزيد من النقوش التاريخية والتماثيل الأكثر أهمية (الشكل 7). في وقت متزامن نقب ريزنر في جبانتين قريبتين، الكرو ونورى. وجد في هاتين الجبانتين الأخيرتين، مدافن الملوك الخمسة الذين حكموا مصر وأسسوا أسرتها الخامسة والعشرين، إلى جانب مدافن ملكاتهم، وأسلافهم والتي يرجع تاريخها إلى القرن التاسع ق.م. وخلفائهم إلى القرن الثالث. وفي عام 1920 وسع ريزنر أعماله أبعد إلى الجنوب إلى مروى (البجراوية- المترجم)، ونقب كل الأهرام في محاولته تتبع الأسماء غير المعروفة والتواترات للحكام الكوشيين حتى نهاية القرن الميلادي الرابع. لقد كان ذلك العمل واحد من أعظم الإنجازات في مجال علم الآثار الحديث.
مع أن ريزنر اكتشف القليل من مسلات المملكة الحديثة وتماثيلها في جبل البركل، فإن بقايا المعابد الفرعونية لم تبق باستثناء أساسات بعض مباني المعابد الفرعونية. الجزء الأعظم مما تبقى من أطلال في الموقع يرجع إلى الفترة ما بعد منتصف القرن الثامن ق.م.، وهو الوقت الذى أصبحت فيه نبتة المركز الديني الرئيس للدولة السودانوية التى نعرف شيئاً عنها. على مدى ستة عقود (تقريباً 712 - 661 ق.م.) فرضت كوش حكمها على مصر، ويصبح الآن أكثر وضوحاً أنه، رغم أن الكوشيين ما كانوا من أصول مصرية، إلا أنهم كانوا قادرين على تبرير ادعاءاتهم على العرش المصري عن طريق العلاقات الطقوسية التى وجدت بين الكرنك وجبل البركل خلال المملكة الحديثة. علينا أن نتشكك حالياً عما إذا كان "تمصير" الملوك الكوشيين وتوحيدهم المبدئي لمصر العليا والنوبة بفعل خطط مبرمجة إلى حد بعيد مع كهنة آمون. أهدافهم لا بد وأنها كانت، تحقيق إعادة التوحد، بعد ثلاثة قرون، ليس فقط بين موقعين مقدسين لإله لكن لمجمل إمبراطوريته الجنوبية. ثانياً؛ أنهم سعوا إلى استعادة " الملكية الحقيقية لمصر العليا" والتي اختفت بعد الأسرة 20. وثالثاً، أنهم سعوا إلى استعادة أيام مجد المملكة الحديثة.
الحكم الكوشي ما قدر له أن يدوم. في عام 661 ق.م.، دحر الكوشيون عن مصر، بعيداً إلى موطنهم، من جانب الغزاة الآشوريين. باستقرارهم في خاتمة المطاف في مروى، إلى الجنوب الشرقي من نبتة، ثبتوا مملكتهم في الجنوب البعيد، على مدى ألفية لاحقة. خلال معظم هذا الامتداد الزمني، على كلٍ، بخاصة خلال العصر النبتي (حوالي 661- 280 ق.م.)، ظل جبل البركل المركز الديني الأساسي للمملكة، ومن نبتي ادعى الملوك شرعيتهم في الحكم. هناك نفذ الحكام مشاريعهم المعمارية والتي استمرت على الأقل حتى القرن الميلادي الأول. كان معبد آمون احتمالاً هو الحافظ دوماً للمعرفة، والأدب الديني والتوثيق التاريخى. كما و لا بدَّ انه كان المتحف القومي للمملكة، ملئ بما يحتويه من تماثيل، وآثار، ونقوش بارزة تصور التاريخ المحتفي به لكوش ويربطها مباشرة بالمراحل المبكرة لفراعنة المملكة الحديثة، الذين عدهم الحكام الكوشيون "أسلافاً" لهم.
على امتداد تاريخ كوش، يبدو أن جبل البركل كان المركز الرئيس للتتويج الملكي والطقوس الملوكية. لقرون حضر كل ملك جديد لكوش إلى جبل البركل لتعزيز شرعيته وتتويجه عن طريق الإله الذى يسكن داخل الجبل، كما فعل بالتحديد الملوك في عصر المملكة الحديثة. على امتداد فترة حكمه قام كل ملك كوشي باستشارة الوحي الإلهي في شئون الدولة وإدارة الحرب. حتى وقت مبكر من القرن الثالث ق.م. يقال بأن الوحي نفسه كان يقوم بإخطار الملك عن طريق رسالة بموعد انتهاء فترة حكمه، مصدراً الأمر له بتنفيذ الانتحار. هذا التقليد تمَّ إلغاءه عن طريق الملك ارجمنيس (أركامانى)، الذى أخذ الأمر بيديه عندما صدر له الأمر بالانتحار، فقاد قواته إلى المعبد وقتل الكهنة. صحة هذا التقليد تشير إليها حقيقة انه حتى القرن الثالث ق.م.، سافر الملوك مسافة 230 كيلومتر من مروى إلى نبتة ليدفنوا في أهرام شيدت لهم عبر النهر بمواجه جبل البركل في نورى (الشكل 8). آخذين في الحسبان وجود معبد في الوادي، غالباً لغرض التحنيط، يجوز للمرء أن يفترض أن معظم الملوك قاموا بالرحلة إلى الجبانة وهم لازالوا أحياءً.
في عام 24 ق.م.، هوجمت نبتة، ودمرت، و"سويت بالأرض" عن طريق الجيش الرومانى. يبدو ان هذا الحدث هو الذى حث على آخر عملية ترميم لمعابد البركل عن طريق الثنائي الملكي المروى نتكامانى وأمانى تارى في القرن الميلادي الأول. المؤسف انه بعد حكمهما الثنائي، فإننا لا نعرف شيئاً عن الموقع أو استخدامه المستمر. تاريخ الموقع في العصرين المروى المتأخر وما بعد المروى (حوالي 100- 600 ميلادية) غامض. بعد تأسيس المملكة الدنقلاوية المسيحية المغرة، ضمت نبتة القديمة ومعابد جبل البركل إلى قرية مسيحية.

ترقبو مهرجان البركل ١٥/١٢/٢٠١٥

مصعب الهادي
بعد أن أفلت شمس يوم الجمعة كان الكل قد تهيأ لاستقبال مولد فجر السبت بشغف بالولاية الشمالية ، وبالتحديد فى مدينة كريمة بـ"جبل البركل" ، وذلك من أجل إكمال مسيرة ما تم حشده من جهد فى سبيل إشراقة مهرجان البركل السياحى الأول ، بعد أيام توالت من التفاني فى العمل ، فبعد مجهوداتهم أتت الشمس حاملة بين ظهرانيها تاريخا جديدا يدوّن ، وحضارة أخرى تمتد لما احتواه تاريخ الاجداد خلال قرون سالفة مضت ، فبالمعاونة والإصرار بين أهل الشمال قاطبة كان ما أرادوا أن يكون ، وكما حلموا به منذ أن كان المهرجان فكرة أو مقترحا يأملون أن يرى النور ، كما فعلوا من ترتيبات حشدها كل أهل السودان فى براح جبل البركل .. مجمع أقدم الحضارات التي عرفتها البشرية ليروا مجدداً مداداً يُسكب ليكتب فصلاً آخر من تاريخ المكان آخذا عنوانا له : (العودة إلى قمة الحضارة) كاستمرار لما حواه من قبل . كنت والعديد من النفر من مختلف ربوع الوطن شاهدا وممثلا للحدث الذى جمع فى حيزه شخصيات على مستوى العالم ، ليرفد حينها السودان كقطر جاذب على مستوى الدولة ومن ثم يحقق غاية أنّ كل أجزائه لنا وطن ، وقد يطول الحديث عن الاحتفالية ولكن إليكم بعضا من المشاهدات وإن كانت اقل من مستواها .

مدينة مروي الطبية

على حد وعده بتوفير التعليم والعلاج كانت الخطوة الأولى التى وضعها سعادة الرئيس "عمر حسن احمد البشير" بأرض مروى إيذاناً بانطلاق التنمية بالولاية الشمالية ، فعند الحادية عشرة من صباح السبت المنصرم قص سعادته شريط افتتاح مدينة مروي الطبية ، أضخم مشفى على مستوى الوطن ، لينافس بكفاءاته أعرق المشافي الطبية بالشرق الاوسط كخطوة سباقة فى سبيل توفير العديد من الخدمات لمختلف المرضى ، تأكيداً منه على توفير العلاج بالوطن دون الحاجة إلى السفر للعلاج بالخارج.

الافتتاح

بعدها أخذ الرئيس قسطا من الراحة بعد عناء السفر من الخرطوم ، لتتأهب حينها باحات جبل البركل مزينة بوشاحات مختلفة تنظر بشغف كيما تكتمل الفرحة بقص شريط المهرجان الاول ، وكان اللافت للنظر من بين تلك المشاهدات "المسرح العالمي"، الذي شيد طبقاً للمواصفات العالمية من تطور فى الإحداثيات والتقانات والتصميم الهندسي له،، كما لو أنه أراد ان يشارك في ليالي الفرح ، كذلك بدا سفح جبل البركل مختلفاً عن بقية الايام لما كساه من حلى بين جنباته والمعابد المحيطة به . كانت تلك الساعة الأخيرة قبل الافتتاح ، وعند الساعة الرابعة عصراً اجتمع الكل حول المسرح للإنصات لما سيقال .. صعد خلالها عدد من المسؤولين واللجان المشاركة تقدم معطيات عن المهرجان والوطن ، وبعد أن أعربت اللجان عن الدور الكبير الذي تناوبوا عليه فى الكشف عن تفاصيل المهرجان ، تقدم بعدها السيد الرئيس ليلقي كلمته واعتلى المنصة مخاطبا الجماهير ، وكان أبرز ما أكد عليه هو تكوين لجنة لإقامة المهرجان بصورة راتبة سنوياً .. أيضاً فمن ضمن ما ذكره إشادته بدور المهرجان الثقافي والسياحي ، ليختتم كلمته بإنشاء مدينة سياحية حرة تمثل نقطة جذب بالمدينة لتنشيط حركة السياحة بين السودان والعالم إرساءً لقواعد أقدم حضارة عرفتها البشرية ، وقد شهد الرئيس خلال حفل الافتتاح تزويج أكتر من "250" شابٍ وشابة.

وفود عالمية

شكل التمييز بأرض البركل الحضور القوى لشخصيات تمثل العديد من دول العالم المختلفة ، يتقدمها وفد الشقيقة مصر الذى ضم "50" شخصية على مستوى الاعلام والفنون من ابرزهم الممثل "سامح الصريطي" بجانب فرقة "دميك" والعديد من رجال الاعمال المصريين ، كذلك جاء ضمن الوفود الوفد الليبي والوفد القطري" الذي تضمن فرقا فنية وباحثين فى مجال التراث ورجال الاعمال والمستثمرين.

قبيلة الاعلاميين

وكان من اللافت فى المهرجان التوثيق الشامل من قبيلة الإعلاميين ، حرصاً منهم على الوطن ومنطقة البركل ، كأثر تاريخي على مستوي العالم والوطن ، ليضم الحشد الإعلامي مختلف القطاعات والوسائط ، منهم الصحفيون والمذيعين، إلى جانب ثلة من القنوات والإذاعات المحلية والعالمية لنقل الحدث .. بجانب ذلك لم يغفل دور الصحافة فى عكس الجوانب المهمة فى المهرجان لتشمل وسائطها المختلفة من "مدونات" و"كتاب رأي" والمواقع الإخبارية على شبكة الانترنت على راس وفد يضم كفاءات مقدرة من الوسط الاعلامي يقف على أمر الإشراف عليه كل من الإعلامي "خالد الباشا" والإعلامية "نسرين النمر" مدير شركة "آرت ميديا للإنتاج" كلجنة إعلامية للمهرجان ضمن لجان المهرجان المختلفة.

التأمين الشامل

الجدير بالذكر أن مهرجان البركل السياحي الاول يقف تأمينه علي مستويٍ من مختلف قطاعات القوات النظامية بالولاية الشمالية لحفظ أمن وسلامة المواطن بقيادة الفريق شرطة "عبدالرحمن حطبة" ، رئيس اللجنة العليا لمهرجان البركل الذي أكد بأن الترتيبات تسير وفق ما هو موضوع وما تم الاتفاق عليه من خطط لسلامة المواطن وتأمين المهرجان ، مؤكدا أن الهدف والمرجو من المهرجان استعادة الآثار السودانية التي تم تهريبها ، وإعادة كتابة التاريخ بشكل حقيقي وإظهار السودان السودان ببعده الثقافي المميز ، ولا نغفل الدور الذي تقوم به منظمة "الهلال الاحمر السودانية" بتوفيرها للمعينات الاساسية للحالات الطارئة.

المعارض

وفى حراك المهرجان كان التميز الذي يشعر به الزائر عند الوقوف على المعارض التى يحتويها ، ففى المعارض يكمن أس السودان بتنوع ما به من عروض ، شملت فى محتواها تراثا لمختلف القبائل على امتداد ربوع البلاد من أقاصيه ونواصي ولاياته المختلفة ، ليعرض من خلالها شكل العادات والتقاليد والموروثات للقبائل السودانية مما جعلها محط إعجاب للكثيرين خاصة الوفود الاجنبية ، وكان ما يميز تلك المعارض حركة التعريف والشرح المصاحبة من قبل مشاركي المعارض .. كانت لنا وقفة مع العديدين الذين أجمعوا خلال حديثهم على أن مهرجان البركل يمثل حالة خاصة نسبة لتاريخ المنطقة التليد، لما احتوته المنطقة خلال حقب مضت ، آملين خلالها تعميم حراك المهرجانات علي مستوي الولايات المختلفة لسد حيز الثغرات امام اي ثقافة أخرى فى إشارة إلى رتق النسيج الاجتماعي لإنسان السودان.

مشاركات

ايضاً كان اللافت خلال المهرجان المشاركات المختلفة بالفقرات المتنوعة التي حفلت بها الأيام المنصرمة ، ويأتي أبرزها مشاركة العديد من فرق "الفنون الشعبية" بجانب "الفرق التراثية" للعديد من القبائل ، بالإضافة إلى بعض من المقتطفات المسرحية ، كذلك مشاركة الفرق الاثيوبية بفواصل غنائية ورقصات من ابرزها فرقة "زهرات أديس" ، وعلي ذات الصعيد كان من أميز العروض علي المسرح فرقة الأطفال "عصافير الشمال" التي تغنت بالألحان الوطنية ، تخللتها كورالات للفرقة وإلقاءات شعرية اختتمها الفنان "على ابراهيم اللحو" فى اليوم الاول و"عبدالرحمن عبدالله وجعفر السقيد والثنائي ياسين وخنساء والشاعر مختار دفع الله ، ليحيي اليوم الثالث الفنان هشام الصحوة ، لتتنوع الفقرات خلال أيام المهرجان مابين "الندوات" و"المصارعة" و"كرة القدم" و"سباق الهجن" و"الدراجات الهوائية".

ويستمر المهرجان ..

وتستمر فعاليات المهرجان حيث يشهد اليوم الثلاثاء "ندوات" بموقع الجبل ومباراة فى كرة القدم ضمن الدورة المقامة ، لتشهد الفترة المسائية فقرات متنوعة يشارك بها كل من الفنانين "عبدالرحمن أرقي" و"عثمان عبدالعظيم" و"حافظ طه" والشاعران "محمد سفلة" و"عثمان عوض ضرار" ، ليواليها غدا الاربعاء لليوم الخامس فى الفترة النهارية "ندوات" بساحة المهرجان لتأتي فى أمسيته مشاركة الفنانين "ود المساعيد" و"معاوية المقل" و"ثنائي العامراب" و"ختمة مروي" و"إيقاعات الدليب" وفقرات شعرية لكل من الشاعر "عطا على العطا" و"شريف محجوب" . يجدر بالذكر أن الليالي التي تقام بمروي والبرقيق يشارك فيها الفنان "طارق عوض" ، ليتوالى اليوم السادس بحضور كل من الفنان "حمد الريح" و"خالد الصحافة" وفرقة حلفا ، ليخصص الخميس اليوم السابع للفرق وتشارك فيه فرقة "دينكا نواك" و"الوازا" و"القولاني" و"البرتا" و"الكيلاني" ، يعقبها فى اليوم الختامي السبت الموافق (/1312) يشهد خلالها مسابقة الدراجات الهوائية وقد خصصت الامسية الغنائية بكاملها لفنان الطمبور"محمد النصري".